ما يزال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على موقفه الرافض لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وجدد التأكيد عليه رداً- وبدون لف ولا دوران- على الدعم المطلق للرئيس الأميركي أوباما لانضمام أنقرة للاتحاد.
ويبدو أن مواقف الشعب التركي ورئيس الوزراء الطيب رجب أردوغان من محرقة غزة، زادت من تصلب موقف ساركوزي المعروف بهواه الإسرائيلي، بالإضافة إلى الموقف التركي المعارض لتولي رئيس الوزراء الدنماركي أندرس فوج راسموسين الأمانة العامة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، لأنه ناصر الرسوم المسيئة للنبي (صلى الله عليه وسلم).
واضح أن الموقف الفرنسي مبني على قناعة إيديولوجية ودينية أكثر من أي شيء آخر، لأن ساركوزي يعرف أن لانضمام تركيا المسلمة (70 مليون نسمة) ذات الهرم السكاني الشاب في اتحاد قارة عجوز تبعات على بنيته السكانية والدينية والثقافية في الأمد المتوسط.
الموقف الفرنسي لم يأخذ بعين الاعتبار متغيرات مهمة في العامين الماضيين، أولها أن الأتراك أنفسهم لم يعودوا متحمسين للانضمام للاتحاد بعد ما طال بهم الانتظار منذ عام 1987.
صحيح أن الأتراك استفادوا من التغييرات الإيجابية التي تحققت بفضل الاستحقاقات المطلوبة لعملية الانضمام، وخاصة على المستوى السياسي والديمقراطي، لكن لهم حدود لا يمكنهم تجاوزها، ولا يمكن أن تسلب منهم حقيقة هويتهم الدينية ولا الثقافية، التي لم تستطع العلمانية الأتاتوركية أن تسلخها ولا تغيبها، وبات ذلك واضحا في أكثر من مناسبة.
المتغير الثاني، أن تركيا ولت وجهها شطر العالم الإسلامي في العامين الأخيرين، وأبانت أنها يمكن أن تكون محاورا ووسيطا بين الغرب والعالم الإسلامي، كما حصل خلال رعايتها لمفاوضات سورية إسرائيلية، أوقفتها محرقة غزة.
ولم ينطلق الرئيس الأمريكي باراك أوباما في قوله في خطابه وسط البرلمان التركي، إن تركيا تلعب دورا مهما كجسر بين العالم الإسلامي والغرب، من فراغ، وهو الباحث عن شراكة نموذجية مع بلد ذي أغلبية مسلمة وأهمية الجيو-استراتيجية، وعضو في حلف «الناتو».
وأميركا لا تبحث عن شراكة مع تركيا لسواد عيون الأتراك كما يقال، ولكن لأنها من بوابات الحل وعلى الأقل يمكن أن تساعد بقدر معتبر في حل أكثر من ملف ، في العراق وفي إيران ، وفيما يسمى بملف «السلام بالشرق الأوسط»، وكذلك أفغانستان وملف «مكافحة الإرهاب».
زيارة أوباما لتركيا عكست رغبة الإدارة الأميركية الجديدة في استئناف العلاقات بين البلدين بعدما تعرضت لهزات في السنوات الأخيرة، وتحديدا عام 2003 عقب الغزو الأميركي للعراق الذي رفضه الأتراك ورفضوا فتح الأجواء للقوات الأميركية لاجتياح جارهم من الشمال.
أما تجديد الرئيس الفرنسي رفضه لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، في هذه الفترة لم يكن موفقا، ليس فقط لأنه يحرم الاتحاد من إيجابيات الخطوة -إن تمت- ولا يضر بتركيا التي يخطب ودها أكثر من جهة، بل لأنه لا يعبر عن رأي غالبية أعضاء الاتحاد المذكور كما قال، فمباشرة بعد تصريح ساركوزي، أعلن مفوض شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي أولي رين في مقابلة صحفية، أن مسيرة الإصلاح التركية تتسارع وتيرتها بما يقرب البلاد من عضوية الاتحاد، الأمر الذي يحتم على الدول أعضاء الكتلة الأوروبية أن يمنحوا تركيا الفرصة لنيل تلك العضوية، بل قال بوضوح: «دعونا نحافظ على كلمتنا ونمنح تركيا الفرصة لإثبات أنها تستطيع أن تفعلها».
مواقف ساركوزي وأوباما من انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي عكست بوضوح رؤيتان مختلفتان، رؤية برغامتية مرنة، ورؤية دينية هوياتية متخشبة إذا صح التعبير، تسمح الأولى لصاحبها باستيعاب المخالف في خدمة مشروعه دون تشويه هويته ولا إفقاده شخصيته، عكس الثانية التي لا تتلائم مطلقا مع العصر وموضة حوار الأديان والحضارات وشعار تلاقح الثقافات
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=78536&issueNo=471&secId=15