
كشفت الأحداث بباكستان في الشهرين الأخيرين، أن حكومة إسلام آباد والرئيس آصف علي زرداري يفقدان زمام الأمور يوماً بعد يوم، وينقصان من رصيد حزب الشعب لدى الباكستانيين -الذي بنته الراحلة بنازير بوتو- لصالح تنامي نفوذ أربعة أطراف: المعارضة السياسية بقيادة نواز شريف زعيم حزب الرابطة الإسلامية، ومؤسسة الجيش، والولايات المتحدة الأميركية، والمتطرفون في شخص طالبان الباكستانية ومن يقف وراءها.
وشكل تحرك المعارضة السياسية وخروجها للشارع، وإجبار الحكومة الباكستانية على إعادة القاضي افتخار تشودري إلى منصبه على رأس المحكمة العليا علامة بارزة على بداية انفلات الأمر من يد زرداري.
أمران آخران زادا وضعية الرجل سوءاً، الأول: موافقة الحكومة على اتفاقية مع المتشددين في وادي سوات على «تطبيق الشريعة الإسلامية» وفق منظورهم مقابل السلام في الإقليم، بشروط قللت من هيبة الدولة، وفتحت عليها أبواباً يصعب إقفالها.
والثاني: رفض الإدارة الأميركية للاتفاقية المذكورة، وإعلانها استراتيجية جديدة تقضي بالاستمرار في الهجمات الصاروخية في المناطق القبلية، بل وتوسيع نطاقها لضرب معقل حركة «طالبان» و «القاعدة» في بلوشستان، حيث تعتقد بوجود كبار قادة الحركة.
هذا الأمر الأخير وضع الحكومة الباكستانية والرئيس زرداري في مأزق صعب جداً، ويفرض على القيادة الباكستانية الخروج من حالة الغموض وسياسة اللعب على الحبلين: إرضاء الشعب وعدم إغضاب أميركا، الموافقة سراً على الهجمات الصاروخية وإعطاؤها الضوء الأخضر وإدانتها علنا واعتبارها مساً بالسيادة، تريد حواراً مع المسلحين المتشددين في منطقة القبائل والوصول لاتفاقات معينة تحقق السلام، أم تواصل الحرب عليهم وفق الرؤية الأميركية لغياب ضمانات التزامهم بتلك الاتفاقيات، رغم ما سجل عليها من ملاحظات وانتقادات تمس بهيبة الدولة.
ويكشف هذا التخبط عن افتقاد حكومة إسلام آباد لرؤية واستراتيجية للتعامل مع الوضع بكل تعقيداته، وعن خضوع كامل للضغوط الأميركية من دون أفق واضح. واستمرار الوضعية على هذه الحال يخدم المعارضة السياسية بالدرجة الأولى، ويقوي رصيدها الشعبي، وربما يدفع واشنطن لإعادة النظر في تحالفها ودعمها لزرداري.
هذا الأخير نكث كما يقول نواز شريف بعهوده وأخل بميثاق الجمهورية أو الديمقراطية، وفضل قيادة البلاد وحده بعيداً عن شركائه في النصر على مشرّف والإطاحة به، معتقداً أن تصويت الباكستانيين لحزب الشعب في الانتخابات العامة الأخيرة تعاطفاً مع مقتل زعيمة الحزب بنازير بوتو، توقيعٌ على بياض.
لكن التطورات كشفت عن أن الأمر ليس كذلك، وأن الرجل بات في نظر غالبية الباكستانيين، أداة لتنفيذ السياسة الأميركية ومعانداً لإرادة الشعب، خاصة عندما أخلف وعد إعادة القضاة المقالين والتخلي عن صلاحيات أقرها مشرف في تعديلات دستورية.
وأكثر من ذلك لم يعد أرمل بوتو يحظى بدعم قيادات في حزب الشعب نفسه، بدليل استقالة وزيرين من حزبه احتجاجاً على سياساته، وظهور انتقادات لها داخل الحزب، فضلاً عمَّا قيل من وجود خلافات بينه وبين رئيس الحكومة يوسف رضا جيلاني، خاصة في طريقة التعامل مع المعارضة السياسية.
عكس ما اعتقد البعض، لم تحسن إعادة القضاة المقالين من صورة الرئيس الباكستاني، بل قوَّت رصيد غريمه نواز شريف، الذي ظل متمسكا بوعده وانسحب من الحكومة بسبب عدم إرجاع زرداري القضاة الذين خلعهم مشرف لمنصبهم، وظهر الرئيس الباكستاني في صورة من غلب على أمره وقبل التنازل.
الظاهر أن التنازلات لن تنتهي بل ستظل مفتوحة ما لم يعالج زرداري الوضع قبل فوات الأوان، وعدم الاكتفاء بدعوة شريف للعودة إلى الحكومة بل القيام بإصلاحات دستورية وإصلاح للنظام السياسي، والتزام بميثاق الديمقراطية، وتقوية هيبة الدولة داخليا وخارجيا، لأن الديمقراطية هي الحل الوحيد لحل مشاكل بلد مثل باكستان بتعقيداته الطائفية والدينية، ومشاكل الجوار سواء مع الهند أو أفغانستان.
وإذا لم يُعد الرئيس الباكستاني حساباته، فإن الإدارة الأميركية ستفعل بعد أن تجد نفسها أمام ورقة محروقة، ومضطرة للحوار مع قيادة تتنامى شعبيتها يوماً بعد يوم ضماناً لمصالحها. فكيف يعقل أن تقبل واشنطن الحوار وتمد يدها لمن تصفهم بالمعتدلين في «طالبان» في إطار السياسة الأميركية الجديدة في أفغانستان وباكستان، ولا تحاور نواز شريف وهو المرشح القوي لأن يكون وسيطا مقبولا من الطرفين، ويحظى باحترام الشعب الباكستاني وتأييد غالبية الإسلاميين؟
صحيح لأميركا مآخذ على نواز شريف أيام كان رئيسا للوزراء، ولا تثق به لأنه سبق أن رفض نداءاتها لتجنب اختبارات نووية عام 1998، وحاول تمرير مشروع قانون حول تطبيق الشريعة الإسلامية لولا عرقلة مجلس الشيوخ بالبرلمان الباكستاني له.
وصحيح كذلك أن نواز شريف يرفض «السياسة الأميركية لمكافحة الإرهاب» لكنه في الوقت نفسه يدين العمليات الانتحارية الإرهابية، ولا يمانع في أن تحمي واشنطن مصالحها، ويختلف معها ربما في الطريقة فقط، وهذا يجعله المرشح -كما سلفت الإشارة- لأن يكون مخاطب الإدارة الأميركية في المرحلة المقبلة بباكستان، خاصة مع تصريحها بأنها تتبنى خيار الهجمات ضد المناطق الباكستانية التي تعتبرها ملاجئ للقاعدة وطالبان كآلية للإضعاف والجلوس للحوار مع الأخيرة -إن حصل- من موقع قوة.
ومن المؤشرات التي تؤيد هذا التوجه، التقاء جل المسؤولين الأميركيين الذين زاروا إسلام آباد بنواز شريف، والمرونة الكبيرة التي أبداها الشهر الماضي عندما طالب المتظاهرين لأجل عودة القضاة المقالين لمناصبهم بالرجوع إلى بيوتهم وقطع المسيرة عقب تدخل واشنطن.
فهل سيستحضر الرئيس الباكستاني زرداري وحكومة جيلاني هذه المعطيات، ويعيدان النظر في سياستهما بطريقة تخدم مصالح باكستان قبل مصالح حزب الشعب، أم سيواصلان السياسة نفسها مانحين المعارضة مزيداً من الشعبية؟
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=79308&issueNo=478&secId=15