
يبدو أن اعتراض الرئيس الأفغاني حامد كرزاي على إجراء قادة عسكريين أميركيين محادثات مباشرة مع أعضاء وقيادات من حركة «طالبان» لإقناعهم بالتخلي عن السلاح، والانضمام للعملية السياسية، وحكمه بفشلها في حال عدم موافقة حكومته عليها مؤشرٌ واضح على أن الأميركيين بدؤوا عملياً في تنزيل استراتيجية أوباما الجديدة في أفغانستان، في الشق المتعلق بالحوار مع من تصفهم بـ «معتدلي طالبان» دون إشراك للمسؤولين الأفغان.
وما يؤكد هذا الأمر تقارير صحافية، وتحديداً تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» تطرق لمحاولات قادة عسكريين أميركيين تشجيع السكان في بلدة «ميدان شهر» في ولاية وردك -كنموذج سيتم تعميمه في حال نجاحه- على الانضمام لميليشيات وفرق تطوع يضمنون لها التدريب والتسليح، وإقناعهم بضرورة المشاركة في حماية أمن بلداتهم ومحاربة «طالبان»، وتذكيرهم بدورهم في هزيمة السوفيات.
ويندرج هذا التطور في إطار استنساخ تجربة «مجالس الصحوات» العراقية أو قوات إسناد الجيش في أفغانستان، حيث يمكن تسجيل ملاحظات على عملية الاستنساخ هذه وإجمالها فيما يلي:
– عدم وجود رؤية موحدة لطريقة الحوار مع حركة «طالبان» والقيام بالعملية المذكورة بين الدول المشاركة بقواتها ضمن حلف «الناتو»، وتحديداً بين الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا صاحبة الخبرة الطويلة في أفغانستان، والتي ترى عدم إقحام القبائل في هذا المخطط.
– اختلاف الواقع الأفغاني كليا (تاريخيا وقبليا وطائفيا وثقافيا وجغرافيا) عن الواقع العراقي.
– غياب حكومة أفغانية قوية تحظى بثقة الأفغانيين وتدفعهم للتعاون معها، وقادرة على صيانة المكتسبات والسيطرة على الوضع، حيث لا تتحكم حكومة كرزاي إلا في حوالي %30 من البلاد.
وبغض النظر عن هذه الملاحظات، يبقى السؤال المطروح: إلى أي حد يمكن أن تنجح تجربة «الصحوات» في واقع أفغاني معقد جدا، وقد تعرضت لاهتزاز كبير في موطنها الأساس (العراق)، فيما يمكن أن نصطلح عليه بسقوط النموذج أو انكساره؟
فبعد أن ساعد مقترح الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس عام 2006 على الشيوخ السنّة في الأنبار وأجزاء من بغداد بضرورة تأسيس «مجالس الصحوة» على تحسين الوضع الأمني في العراق بشكل ملحوظ وفق تصريحات العراقيين أنفسهم، انقلبت حكومة المالكي على تلك المجالس (120 ألف شخص) فور تسلمها المسؤولية عنها من القوات الأميركية عقب دخول الاتفاقية الأمنية حيز التنفيذ، وحولتها في عدد من المواقع لأهداف مباحة للقوات الأمنية العراقية بتهمة أنها مخترقة من تنظيم «القاعدة» وحزب البعث، وهي التي خاضت إلى جانب القوات العراقية والأجنبية حرباً على تنظيم «القاعدة» وغيرها من الجماعات المسلحة في مناطق واسعة من البلاد.
ولا تزال الأزمة بين الحكومة العراقية والمجالس المذكورة مرشحة للتصعيد، الأمر الذي جعل عدد من قياداتها يفرون إلى الخارج خوفاً من الملاحقة والاعتقال، على غرار الاعتقالات التي تمت في الشهر الماضي في حق بعض قياداتها من قبيل عادل المشهداني ومساعده سلمان قدوري بحي الفضل وسط بغداد لاتهامه في جرائم قتل وجرائم تهجير، وتشكيل حزب مقرب من حزب البعث المحظور، فضلا عن تأخير رواتب أعضاء الصحوات لشهور.
ربما يكون غياب الثقة والعامل الطائفي أحد العوامل المؤججة للأزمة المذكورة على اعتبار أن الصحوات من طائفة السنة، والحكومة بأغلبية ورأس شيعي، لكن المؤكد أن الخشية من تحول مجالس الإسناد إلى قوة واقعية وموازية للقوات النظامية بعد تأخير -إن لم يكن تجميد- ضم جزء منها (%20) للجيش والقوات الأمنية كما كان متفقاً حوله، والاعتقاد بأن الوضع الأمني قد استتب إلى حد كبير، كان الدافع الرئيسي لسعي حكومة المالكي للتخلص من «الصحوات»، وحل تشكيلاتها في ظل صمت الإدارة الأميركية.
وأمام هذه النهاية -وفي أحسن الأحوال بداية النهاية- للنموذج العراقي للمجالس المذكورة بعد حوالي ثلاث سنوات، ألا يمكن اعتبار ما حصل ضربة لمحور من محاور استراتيجية أوباما في أفغانستان، وسقوطا وانكسارا للنموذج في حد ذاته؟
صحيح أن إمكانية اختراق بعض القبائل الأفغانية وارد جدا، وهناك حديث عن ترحيب بالمشروع الأميركي (تشكيل مييليشيات) من طرف شباب ينتمون لجماعات الهزارا «الشيعة» والطاجيك وبعض من شباب قبائل البشتون مع خوفهم من هجمات ورد فعل حركة «طالبان».
غير أن غياب ضمانات عدم تكرار السيناريو العراقي للمجالس المذكورة -على فرض نجاح التجربة ولو جزئياً- في بلد رفض طوال تاريخه الإذعان للأجنبي مهما كانت قوته العسكرية، ورفض المتعاونين معه وقتلهم بتهمة الخيانة والعمالة يلقي بظلال من الشك في نجاح تجربة «مجالس الصحوات» بأفغانستان، حيث تقاتل القوات الأجنبية بالآلاف لمدة سبع سنوات حركة «طالبان» دون أفق واضح، ويدعو للتفكير في طريقة أو طرق أخرى لمعالجة الوضع في بلدٍ منطقُ القبيلة والعشيرة أقوى فيه من منطق الدولة .
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=80020&issueNo=485&secId=15