بمجرد أن بدأ الرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته محمود عباس أبومازن خطابه المتلفز مساء الأحد الماضي للشعب الفلسطيني بعد فضيحة قرار تأجيل التصويت على تقرير غولدستون، اعتقدت أن الرجل سيعترف بخطيئته، ويضع الشعب الفلسطيني والعالم العربي والمنظمات الحقوقية التي اشتغلت على التقرير في صورة ما حصل، بل ذهب خيالي بعيدا، وقلت: ربما يعلن الرجل تنحيه، ويعلنها مدوية في العالم العربي، ويسجل بذلك سابقة ربما تخلده في التاريخ، (مسؤول عربي يخطئ ويعترف ويتنحى) لكن أياً من ذلك لم يحصل، واختار مهندس مسلسل أوسلو الهروب إلى الأمام وفق قاعدة «الهجوم خير وسيلة للدفاع».
هاجم الرجل في أول إطلالة له بعد الفضيحة حركة حماس واتهمها بالتهرب من استحقاقات المصالحة الفلسطينية و «تكريس الإمارة الظلامية في قطاع غزة»، وأن حملتها عليه تخدم «مشروعا مشبوها يتساوق مع مخططات إسرائيل لإضعاف السلطة الوطنية، وإقامة الدولة ذات الحدود المؤقتة ويخدم محاولات صرف الأنظار عن معركة القدس ومواجهة الاستيطان».
طبعاً يحتاج المرء أن يكون فاقدا للذاكرة أو معاقا ذهنيا ليصدق كلام عباس الذي سعى بكلامه لتحويل أنظار الفلسطينيين عن الفضيحة إلى ملف المصالحة المتعثر.


عباس أطلق في خطاب الأحد شعارات كعادته هو أول من يدوسها ولا يعبأ بها من قبيل قوله: «لن يكون مقبولا فلسطينيا استئناف مفاوضات السلام مع إسرائيل دون الوقف الشامل للنشاطات الاستيطانية وتحديد مرجعية السلام بما يضمن إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية» و «لن يكون هناك اتفاق سلام ما لم يتضمن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للقدس».
لكنه هرول على هامش اجتماعات الجمعة العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي إلى اللقاء مع الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقيل إن محادثات غير مباشرة تواصلت هناك برعاية جورج ميتشل المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، مع العلم أنه تعهد بأنه لن يقوم بأي خطوة من هذا النوع، ما لم تتوقف إسرائيل عن بناء المستوطنات، مما كشف ويكشف أن هناك مشكلة حقيقية وسؤالا كبيرا، من يتخذ القرار الفلسطيني، ما موقع البرلمان والحكومة والهيئات التقريرية لمنظمة التحرير في هذا القرار؟
ويتضمن خطاب الأحد مؤشرات على هرولة جديدة، لأن قرار طلب تأجيل التصويت على تقرير غولدستون -الذي وصفته صحف غربية بأنه من أكثر التحقيقات الدولية شمولية حول السلوك الإسرائيلي في حرب غزة- تم تحت ضغوط ومبرر إعطاء عملية السلام الأولوية.
وعوض أن يكون التقرير المذكور ورقة ضغط وإدانة دولية لإسرائيل يسحب ويتحول لورقة إحراج للفلسطينيين، وبدلا من أن يكون نصرا وتتويجا لعمل حقوقي قانوني مهم للمنظمات الحقوقية العربية والدولية لإدانة إسرائيل على جرائمها في غزة، تحول لنكسة وخيبة أمل كبيرة.
وعوض أن يكون التقرير فرصة محققة لفضح إسرائيل تحول لفضيحة للسلطة الفلسطينية أمام العالم.
لكن الغريب أن هذه السلطة تملك قدرات خارقة في الهروب إلى الأمام، وتصريحات ممثليها في الإعلام تجعل المتابع مندهشا.
لن أكون فلسطينيا أكثر من الفلسطينيين، فالذي يتخبط في المأساة ويعيشها بتفاصيلها ليس كمن يقرأ عنها ويتابع أخبارها مهما كان تفاعله معها.
لكن عندي فقط بعض الأسئلة، أي سلام الذي جعل عباس يرضخ للضغوطات الأميركية والإسرائيلية كما قيل، ويطالب ممثله في الأمم المتحدة بتأجيل التصويت على تقرير غولدستون؟ ويأتي بعد ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويقول خلال افتتاحه الدورة البرلمانية الجديدة للكنيست أمس الأول إن إسرائيل ترفض أن يحال مواطنوها إلى القضاء لارتكابهم جرائم حرب إثر الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة.
ألم يسمع عباس وزير خارجية إسرائيل ليبرمان يقول: كفوا عن أحلامكم بوطن ودولة؟ ألم يسمع عن الشروط الأساسية التي تحدث رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو لاستئناف المفاوضات، ومنها الاعتراف بيهودية دولة الاحتلال؟ أليست محاسبة إسرائيل على جريمتها البشعة في غزة مدخلا معقولا من بين مداخل عديدة لسلام معقول وعادل؟
هل بقيت للسلطة الفلسطينية، وتحديدا للرئيس عباس المنتهية صلاحياته شرعية ومصداقية بعد فضيحة غولدستون لتمثيل الفلسطينيين والتفاوض باسمهم؟ وبأي أوراق سيفاوض بعدما أحرقها كلها؟
أعتقد أنه كان من المفروض بعد خطيئة وفضيحة غولدستون، أن تقدم السلطة الفلسطينية الحساب للشعب، فهذه فرصة لمحاسبة عملها وتقييم مسلسل أوسلو برمته.
لا يراودني شك في أن الحصيلة كانت مخزية وليست بحجم التنازلات المتوالية لمن يتحدثون ويفاوضون باسم الشعب الفلسطينيين، مؤشر واحد فقط من بين عشرات المؤشرات يظهر حجم الإفلاس، فقد كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية 180 ألفاً واليوم ارتفع عددهم إلى 500 ألف، بالإضافة إلى اغتصاب الأراضي وهدم المباني وتدمير البنية التحتية..
هذه فرصة للنقد الذاتي وتصحيح المسار وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ودعامة متينة للمصالحة الفلسطينية وتوحيد للصف الوطني الفلسطيني وتقوية له أمام حكومة إسرائيلية متطرفة.
أما الاستمرار بنفس النهج وعلى المسار نفسه، فلن تجني منه السلطة الفلسطينية ومن ورائها الشعب الفلسطيني إلا النكسات والخيبات.

 

Laisser un commentaire

En savoir plus sur في السياق

Abonnez-vous pour poursuivre la lecture et avoir accès à l’ensemble des archives.

Poursuivre la lecture