قرار حظر المآذن في سويسرا كان مفاجأة كبرى للحكومة السويسرية وجزءا من المجتمع السويسري قبل غيرهم، لأنهم لم يكونوا يعلمون ويعتقدون أن أفكار وشعارات اليمين المتطرف متغلغلة داخل البلد إلى هذه الدرجة التي شوهت صورته كبلد ديمقراطي يحترم التعدد الثقافي والديني وحقوق الإنسان، وخلق للبلد مشكلة في علاقاته مع العالم الإسلامي.
طبعاً القرار السويسري ليس معزولاً بل جاء في مناخ وسياق غربي عموماً وأوروبي خصوصا تتنامى فيه مظاهر العداء للرموز الإسلامية وللمسلمين، وربما للإسلام نفسه، من قبيل ما حصل في فرنسا مع منع العلامات الدينية، وعلى رأسها الحجاب في المدارس، وتدنيس مقابر المسلمين أكثر من مرة بعلامات نازية متطرفة، واستطلاع الرأي الذي أجرته مؤخراً جريدة « لوفيغارو » ورأى %42 من المستطلعة آراؤهم فيه أن الدين الإسلامي نفسه -وليس المسلمين- دينٌ « مريب »، بالإضافة إلى ما حصل من سلوكيات استفزازية وعنصرية في ألمانيا وإيطاليا اتجاه المسلمين، والتي يجسدها سياسيا صعود اليمين المتطرف في الانتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة.
إن الربط بين مؤشرات ارتفاع العداء للمسلمين في أوروبا يؤكد أن هناك أشياء أخرى قادمة يهيئ لها اليمين المتطرف ويضعها على أجندته السياسية والانتخابية، وهذه المرة لن تكون شعارات ولا سلوكيات مستفزة هنا وهناك، ولا اعتداءات بدنية أو شيئاً من هذا القبيل، بل ستكون خطوات مؤسسية وتشريعات قانونية تقيد وتحد من حرية المسلمين في التعبير عن دينهم وممارسة مشاعرهم وعن هويتهم وخصوصيتهم الحضارية، وستعتبر ربما خيانة للبلد الذي احتضنهم وأعطاهم الجنسية و.. وبالتالي تخيير الناس بين القبول بهذا الواقع أو الرحيل إلى بلدانهم الأصلية.
قد تكون الحكومة السويسرية بصدقٍ غاضبةً وعبرت عن أسفها لنتيجة الاستفتاء الذي وافق على حظر بناء المآذن، لكن ذلك لا يغير الواقع، فالحكومة والوزراء محكومون بقوانين وقواعد مؤسسية تنظم القرار، ولا علاقة لها بعواطفهم ولا قناعاتهم، واليمين يعمل وينشط و « يناضل » و « سيناضل » من أجل الاستمرار في مشروعه العنصري، والوعي بهذه الحقيقة هو ما ينبغي أن يحكم موقف المسلمين في أوروبا وفي العالم العربي والإسلامي، ويلزمهم بالهدوء والعقلانية في التعاطي مع الموقف.
وأعتقد أنه لا يمكن سد الطريق على دعاة التصادم الديني والحضاري بين الغرب والمسلمين، وعدم السقوط في كمائنهم إلا بآليات وخطوات عملية أقترحها على الشكل التالي:
– ضرورة الوعي بمخططات واستراتيجية اليمين المتطرف في الغرب والتعقل في التعامل معها لقطع الطريق عليه.
– استحضار حقيقة قائمة وهي أن إسرائيل واللوبي الصهيوني ذراعها في الغرب تستفيد من هذه الأجواء المشحونة لتشويه صورة العرب والمسلمين، وفي هذا السياق نشرت صحيفة « هآرتس » في الأسبوع الماضي مقالاً بعنوان « إسلاميو أوروبا التهديد الحقيقي لإسرائيل » ذكر كاتبه أمورا يجب الانتباه إليها والوقوف عندها مطولاً، حيث اعتبر أن الأطر المسلمة بأوروبا ذات كفاءة وتكوين عالٍ تشكل خطرا على إسرائيل لقدرتها على التأثير في عدد من قناعات القادة الأوروبيين بخصوص القضية الفلسطينية.
– استحضار الاعتبارات السياسية المتسربلة بالدين والقومية في مواقف اليمين والتي يؤلب بها الأوروبيون على المسلمين، وهي الخوف من أن يهيمن المسلمون -الذين يتكاثرون بأوروبا- لما يتمتعون به من حقوق سياسية (التصويت في الانتخابات) على القارة العجوز، إن لم يكن ذلك في الأمد المتوسط فعلى الأمد البعيد، وهذه الاعتبارات هي التي حكمت عملياً مواقف كثير من دول الاتحاد الأوروبي في رفض عضوية تركيا للاتحاد.
– الابتعاد عن المواقف العاطفية والتعميمية التي تضع كل الغرب في سلة واحدة وكل السويسريين مثلا في سلة واحدة؛ لأن ذلك يضر بالمسلمين في أوروبا، وهو الأمر الذي جعل اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا يدعو إلى ترك الجالية المسلمة تحل مشاكلها داخل بلدانها بالطرق السلمية وعدم تدويلها لكي لا يتهموا بأنهم « طابور خامس ».
طبعا من حق العالم العربي والإسلامي أن يعبّر عن مساندته للجالية المسلمة، ولكن بأشكال حضارية سلمية هادئة تدعم موقف الجالية ولا تزيد تعقيداً، وليس بمقترح البعض بالمقابلة بالمثل (التضييق على الأقليات المسيحية في العالم العربي والإسلامي) لأنه باختصار سقوطٌ في كمين اليمين المتطرف ومبتغاه فضلاً عن أنه أمر لا يقره الإسلام.
– اللجوء للمحاكم والاحتكام للآليات القانونية والديمقراطية لمعالجة مثل هذه القضايا.
– القيام بمبادرات وحملات إعلامية قوية وبلغات مختلفة لكشف الأباطيل والأخطاء المنهجية التي تقوم بها عدد من وسائل الإعلام الغربية لتشويه صورة الإسلام بالتركيز على سلوكيات شاذة وأخطاء فردية وإصدار أحكام عامة، وجعلها هي الأصل للتنفير من كل المسلمين، وبالتالي توسيع دائرة العداء للمظاهر الإسلامية.
– تشغيل الدبلوماسية الشعبية والانفتاح على الأحزاب والمنظمات الأوروبية التي تعترف بحقوق الجالية المسلمة وحقوق المهاجرين، والانفتاح كذلك على الجمعيات الأوروبية التي تعمل على مد الجسور بين مختلف الثقافات والديانات.
– إعادة النظر في منهجية حوار الأديان وإخراجه من الأجندات والحسابات السياسية والبروتوكولية، وجعله ضمن أجندة ثقافية واسعة ومستمرة في خدمة التقارب والتسامح الحقيقي في الحياة والسلوك اليومي، وليس في الخطب والمؤتمرات.
– إعادة النظر في سلوكيات عدد من المسلمين ومفهومهم للالتزام الديني في الغرب، ومراجعة بعض مظاهر التديّن التي هي في الأساس اجتهادات وعادات، وليست أصلاً من أصول الدين، والقطع مع بعض المقولات والشعارات التي ارتبطت بفترات تاريخية قديمة من قبيل مقولة أن « الغرب دار كفر » فكيف يعقل أن يكون كذلك، وقد استقبل شريحة واسعة من المسلمين ووفر لهم استقراراً وحقوقاً سياسية وحرية تعبير.
وعلى العلماء والمفكرين المسلمين في هذا السياق مسؤولية كبيرة في التأطير الديني والثقافي السليم والمستمر للجاليات المسلمة في أوروبا، لمساعدتهم على الاندماج الإيجابي الفاعل في مجتمعهم الذي يزاوج بين إحساسهم بالانتماء للبلد الذي يقيمون فيه والاحتفاظ بهويتهم الدينية والحضارية، الأمر الذي يقوّي ثقة أبناء البلد فيهم ويحسسهم أنهم جزء منهم، وليسوا زواراً مؤقتين ولا مستأجرين مزعجين وعابرين.

Laisser un commentaire

En savoir plus sur في السياق

Abonnez-vous pour poursuivre la lecture et avoir accès à l’ensemble des archives.

Poursuivre la lecture