دخلت إيران بأحداث أمس الأول -وهي الأعنف والأخطر من نوعها في التعامل مع تظاهرات المعارضة- إلى مرحلة حرجة جدا، وضعت الرئيس أحمدي نجاد وحكومته على المحك بالنسبة لفئة كبيرة من الإيرانيين، فسقوط حوالي 15 قتيلا واعتقال أكثر من 300 شخصا، من بينهم وجوه معارضة بارزة في يوم واحد حسب الإعلام الرسمي، أمر له دلالاته بدون شك، خاصة أنه ليس أي يوم، بل يوم عاشوراء بما له من دلالات في المرجعية الدينية الشيعية، وسيعد الإصلاحيون ومناصروهم القتلى شهداء، وهو ما قد يوسع من شعبيتهم.
من جانبها نفت الشرطة الإيرانية في بعض تصريحاتها أن يكون القتلى سقطوا بنارها، بل قتلوا في ظروف غامضة، وهو الأمر الذي يصعب تصديقه لسببين: الأول التهديدات السابقة التي أطلقها مسؤولون بأنهم سيواجهون بصرامة أي تظاهرات في عاشوراء، والثاني وجود وسائل إعلام متطورة عصية على الحصار كشفت ما حصل في التظاهرات بأشرطة فيديو وصور تناقلتها عشرات -إن لم يكن المئات- من المواقع الإلكترونية، الأمر الذي جعل رجل الدين مهدي خروبي -الذي حل رابعا في الانتخابات- يقول في بيان له: « ما الذي حدث لهذا النظام الديني لأن يأمر بقتل أبرياء خلال يوم عاشوراء المقدس؟.. لماذا لا يحترم الحكام مثل هذا اليوم المقدس؟ ».
أحداث أمس الأول تطرح سؤالا كبيرا، هل بات التيار المحافظ محاصرا يفقد السيطرة على الأمور الأمر الذي جعل لأسلوب العنف والاعتقالات الكلمة الفصل في التعامل مع تظاهرات المعارضة بعدما أقال زعيمها مير موسوي من منصبه؟
مع العلم أن ذلك الأسلوب بأخطائه خدم المعارضة والتيار الإصلاحي، بعدما فشلت المظاهرات التي دعت لها السلطة في التغطية على تظاهراتها وإشعاعها الإعلامي وتداعياتها السياسية داخل البلد وخارجه.
فقد سارعت الدول الغربية الكبرى إلى إدانة العنف والاعتقالات التي عرفتها تظاهرات المعارضة أمس الأول في أكثر من مدينة إيرانية، وكانت العبارات شديدة أبرزها عبارة البيت الأبيض الذي وصف ما حصل بحملة « القمع الظالمة » التي تمارسها الحكومة الإيرانية بحق المدنيين، مشيرا إلى أن الحكومة الأميركية تقف إلى جانب المحتجين.
لكن بعض الأميركيين يطالبون أوباما ويضغطون عليه لكي يترجم عبارات المساندة والتأييد للمحتجين إلى أفعال.
باختصار إن تداعيات مظاهرات المعارضة المستمرة بقدر ما تزيد وضعية إيران حرجا في علاقاتها الدولية خاصة مع الغرب، وتحديدا في موضوع ملفها النووي، فإنها تفرض تحديات على المستوى الداخلي؛ لأن إصرار الإصلاحيين والمعارضة الإيرانية بشكل عام على الخروج إلى الشارع للاحتجاج في كل مناسبة على نتائج انتخابات يونيو الماضي الرئاسية التي يصفونها بالمزورة، ورفع شعارات قوية مناهضة للرئيس نجاد وحكومته، وتحدي كل التهديدات بالصرامة وغيرها، يؤكد أن للتيار الإصلاحي قاعدة شعبية متنامية في المجتمع الإيراني خاصة في فئة الشباب، مقابل وضع حرج للمحافظين قد يدفعهم للتفكير في مخرج وسط من الأزمة التي تعيشها البلاد منذ يونيو الماضي، ربما يكون حلا سياسيا بإشراك المعارضين الإصلاحيين في الحكومة واستحضار لرؤاهم في تدبير بعض الملفات والقضايا في المرحلة المقبلة.