تشبه مشكلة المياه في «الشرق الأوسط» قنبلة موقوتة ومصدرا كبيرا لعدم الاستقرار في المنطقة العربية، ومن المؤكد أنها ستفرض نفسها بإلحاح في السنوات القادمة.
وأوضحت الدراسة الحديثة التي نشرها مركز الجزيرة للدراسات ضمن سلسلة «أوراق الجزيرة» في كتاب بعنوان «موقع المياه في الصراع العربي الإسرائيلي من منظور مستقبلي» للباحث حسام شحادة المتخصص في شؤون الصراع العربي الإسرائيلي، أن موضوع المياه تحول لقضية ساخنة في الصراع العربي الإسرائيلي، مؤكدة بالأرقام والإحصاءات والتصريحات الموثقة الموثقة، أن عناصر الاستراتيجية الإسرائيلية تنطلق من مسلمة مفادها أن التمسك ببقاء السيادة الإسرائيلية تنطلق من السيادة على مصادر الموارد المائية، الأمر الذي يشكل تهديدا للأمن الغذائي العربي، لأن المياه وحدها تؤمن الغذاء في وقت تستورد فيه الدول العربية ما يقارب %40 من مجمل ما يستورده العالم الثالث من المنتجات الغذائية.
وسلطت الدراسة الضوء على الدور الكبير الذي لعبته بريطانيا في الوعي الإسرائيلي المبكر بأهمية موارد الماء في وجودها، سواء من خلال صندوق استكشاف فلسطين الذي أنشأته عام 1865 أو الجمعية العلمية البريطانية، حيث أرسل الأول خلال 14 سنة 4 بعثات استكشافية لفلسطين برعاية الملكة فيكتوريا لإجراء دراسة تفصيلية لجدوى وأهمية مشروع توطين اليهود في فلسطين بالاعتماد على خبراء في الآثار، التاريخ، الجغرافيا الجيولوجية، والمناخ، والتركيز بدرجة كبيرة على مصادر المياه، فيما أرسلت الثانية عام 1872 العديد من أعضائها لفلسطين وصحراء النقب وسيناء وأصدرت دراسات مطولة من أجل نفس الهدف، فضلا عن الدراسات التي أعدها خبراء فرنسيون وأميركيون عام 1850 حول الموارد المائية في فلسطين ومحيطها.
وكشفت الدراسة أن دور صندوق استكشاف فلسطين البريطاني سبق صهيونية هرتزل ومشاريعه في التخطيط لوطن قومي لليهود، حيث أثار خبراؤه الاهتمام اليهودي بفلسطين ونبهوا الصهاينة لأهمية المياه لتلبية حاجات الاستيطان وأنشطته لتشكيل الكيان اليهودي.
وقدمت الدراسة حقائق الواقع المائي في ظل الصراع العربي الإسرائيلي بالأرقام والإحصاءات والحقائق التاريخية التي فضحت المطامع الإسرائيلية في المياه العربية، وخطط قادة الصهاينة لتمكين كيانهم من مقومات الدولة القادرة على الاكتفاء الذاتي الاقتصادي.
وظهر جليا أن أطماع إسرائيل تجاوزت مياه فلسطين إلى مياه المنطقة العربية خاصة دول ما يعرف بالطوق -التي فصلت الدراسة في شبكاتها المائية ومنابعها ومصادرها وحجمها- سوريا (هضبة الجولان ونهر اليرموك) ومياه لبنان (نهر الوزاني) ومياه الأردن (مياه نهر الأردن ونهر الليطاني) بل وصلت الأطماع لنهر النيل مهددة مصر ونهر الفرات مهددة سوريا والعراق.
وفي هذا السياق، كشف المحلل السياسي الأميركي مايكل كيلو عن اجتماع عقد في تل أبيب بين أعضاء الكنيست الإسرائيلي ووزراء إثيوبيين تناولت بحث مشاريع مشتركة عند منابع نهر النيل لتضييق الخناق على مصر، ومواصلة توثيق العلاقات مع الدول الإفريقية التي تشكل منبع النيل من قبيل نيجريا وغينيا الاستوائية بسبب البترول كذلك.
وتطرقت دراسة الباحث حسام شحادة للمشاريع الصهيونية لاستثمار المياه العربية من قبيل مشروع لأودر ميلك لاستثمار مياه نهر الأردن سنة 1944، مسلطة الضوء على نسب الاستهلاك الإسرائيلي المتزايد للمياه بعد قيام الدولة العبرية والتلاعب بالأرقام لتظهر بمظهر المحتاجة التي لم تبلغ كامل حقوقها في أية مفاوضات، وتبرير اعتدائها ونهبها الممنهج على المياه العربية والفلسطينية على وجه الخصوص «حيث أشارت الدراسة بالأدلة والمعطيات الميدانية إلى أن الواقع المائي الحالي بفلسطين منذر بالسوء، وتحول حياة الفلسطينيين قريبا إلى جحيم لا يطاق في ظل استمرار المشاريع الاستيطانية، وتواصل حركة الهجرة إلى إسرائيل، وعدم وفاء هذه الأخيرة بتعهداتها فيما يسمى بمفاوضات السلام ومواصلة مشاريع النهب المائي خلافا لكل قرارات مجلس الأمن الدولي، حيث اعترفت لجنة شكلها هذا الأخير بأن «إسرائيل تستعمل الماء ليس فقط كسلاح اقتصادي بل كسلاح سياسي أيضا لدعم سياستها الاستيطانية، ولهذا فإن اقتصاد وزراعة السكان العرب قد تتأثر تأثرا ضارا بسبب استغلال سلطات الاحتلال للموارد المائية».
ولأجل هذا الواقع المعقد اعترف رئيس الوزراء السابق الإسرائيلي أيهود باراك وغيره من الساسة الإسرائيليين بأن موضوع المياه سيكون من أصعب الموضوعات على جميع مسارات التفاوض، لأن الاحتفاظ بمصادر المياه يعتبر خطا أحمر في أية مفاوضات بالنسبة للكيان الصهيوني.
وأكدت دراسة «موقع المياه في الصراع العربي الإسرائيلي من منظور مستقبلي» أن التفاؤل بحل للصراع العربي الإسرائيلي بتسوية سياسية، سيتهاوى إذا أخذت مسائل المياه بعين الاعتبار فالأطماع الإسرائيلية بالمياه العربية ستبقى مؤججا للصراع في المستقبل خاصة، وأن إسرائيل تستحوذ على المزيد من مياه نهر اليرموك والأردن والمياه الجوفية في الضفة الفلسطينية، وتدفع الطرفين الفلسطيني والأردني للاعتماد على تحلية مياه البحر بالاعتماد على خبرتها وتقنياتها.
وبخصوص المنظور المستقبلي للصراعات المائية في المنطقة العربية، أكدت الدراسة، أن التوصل لتقاسم منصف للموارد المائية المتضائلة يبقى معضلة في طريق أي تسوية سياسية في المنطقة بسبب طبيعة الوضع الجيو- استراتيجي للوطن العربي، مرجعة الدوافع التي تكمن وراء نشوب النزاعات بشأن المياه واحتمالات وتحولها إلى صراع مسلح إلى 3 أسباب رئيسة:
– وقوع أهم منابع المياه خارج الأرض العربية
– تناقص النصيب النسبي للدول العربية من المياه.
– الاعتداء المباشر بالقول وبالفعل من قبل الكيان الصهيوني على الحقوق العربية المائية.
وخلصت الدراسة إلى أن تحقيق الأمن المائي في دول المشرق العربي، يبقى من أعقد الأمور وأصعبها، ويطرح بقوة سؤال مستقبل الأمن الغذائي في العالم العربي الذي تلزمه كميات هائلة من المياه لتغطية عجزه، متوقعة أن الأمن المائي العربي سيشكل في المرحلة المقبلة أحد أهم أسباب التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.
واقترحت الدراسة إجراءات عملية لمواجهة هذا الواقع المائي منها:
– وضع استراتيجية عربية شاملة لمواجهة هذا التحدي، والعمل على تكامل عربي على هذا الصعيد.
– وضع صيغ قانونية تؤكد الحق العربي في المياه التي تأتي من خارج الوطن العربي.
– العمل على مواجهة جماعية للأطماع الإسرائيلية التي تهدف لسرقة المياه العربية.
– مواجهة الاستغلال السيئ لأزمة المياه في المنطقة.