كثيريون يعتقدون أن الإعاقة التي يعاني منها مجمل الوطن العربي في مساره التنموي والعلمي والسياسي ، تعود لغياب الديمقراطية، غير أن نظرة سريعة على بعض أرقام ونسب الأمية في الوطن العربي ونسب الهدر المدرسي، وضعف المناهج التعليمية وفشلها تشير إلى السبب الرئيسي للإعاقة .
يجمع الكل وفي أي أمة مهما اختلفت ثقافاتها ودياناتها، أن التعليم السليم (مضمونا ومنهجا وتنزيلا) أمر مركزي في عملية بناء وتطوير المجتمع وتمكين أبنائه وخاصة الأجيال الصاعدة من شخصية مستقلة وقوية، ومنهجية تفكير ورؤية واضحة للمستقبل، وهذا ما لم تحققه للأسف المناهج و السياسات التعليمية في جل دول العالم العربي.
وزاد الطين بلة والخطر تفاقما عندما أصبح صندوق النقد الدولي يتدخل في المناهج والمقررات الدراسية مقابل تسليم القروض لبعض الدول، وتخلي الدولة عن مسؤوليتها في التعليم العمومي بشكل تدريجي لصالح القطاع الخاص بمفهوم العالم الثالث (شركات تجارية ربحية وليس مؤسسات تربوية حقيقية إلا فيما ندر) مما حرم شريحة معتبرة في الوطن العربي من استكمال دروسها الثانوية والجامعية فضلا عن التعليم الجامعي و العالي، فبعدما كان التعليم احد واجبات الدولة الأساسية اتجاه المواطن، باتت تعتبره عبئا على كاهلها وقطاعا يستهلك جزءا مهما من الموازنة المالية السنوية بدون مردودية ( المادية) الأمر الذي ولد موضة جديدة « ربط التعليم بسوق الشغل»،وصار التعليم النموذجي هو الذي يخرج ويمد الشركات الصناعية والتجارية وغيرها عمالة مدربة وتقنية .أما تخريج وإنتاج مفكرين وعلماء و أدباء وفلاسفة و مؤرخين ومتخصصين وأكاديميين بدرجة عالية في عدد من العلوم، فذاك أمر متروك للصدفة وعصامية الأفراد وجود القدر، وأكبر مؤشر على هذا الوقع الأليم، الميزانية المخجلة التي تخصصها كثير من الدول العربية للبحث العلمي.
بدون شك هذا الواقع التعليمي فضلا عن نسب الأمية التي ماتزال معششة في الوطن العربي وبنسب متفاوتة، انعكس على طريقة التفكير السائدة في المجتمعات العربية وإدارة العلاقات داخلها، ومستواها التنموي الضعيف .
أزمة التعليم في جل الوطن العربي كانت كذلك من بين العوامل التي سمحت بتسريع وتيرة الاستلاب الحضاري بشكل عام وسيادة ثقافة وصفها البعض بثقافة «الهمبرغر» و»السندويتشات» في إشارة إلى التراجع المهول في الإقبال على الكتاب وضعف نسبة القراءة ،بحيث يبلغ متوسط القراءة ست دقائق تقريبا للفرد في السنة، بالإضافة إلى ضعف حركة التأليف بالمقارنة مع الغرب، حيث يصدر كتاب واحد لكل ربع مليون مواطن عربي مقابل كتاب لكل 15 ألف فرد في الغرب عموما.
بالمقابل هناك تناسل رهيب لقنوات الترفيه و»الفرفشة «وبرامج تلفزيونية موجهة اساسا للشباب ترمي للتطبيع مع أسلوب حياة معين اقل مايمكن وصفه هو أنه ينافي الهوية الحضارية والثقافية للوطن العربي، في ظل ضعف ملحوظ لبرامج التتثقيف والتأطير الفكري والمعرفي ولبرامج التوعية السياسية كذلك، مما خلق حالة من اللاتوازن وكشف بوضوح غياب رؤية ثقافية لدى جل القنوات التلفزيونية والفضائيات الرسمية، امام تغول كبير للفضائيات الخاصة .
طبعا لايمكن لعاقل أن يدعو في عصر الانترنيت وانهيار الحدود في زمن ما بعد العولمة إلى الانغلاق والتقوقع على الذات، لكن هناك شيء اسمه الحصانة الثقافية والحضارية التي تمكن من التعامل مع الآخر والتفاعل معه ثقافيا وحضاريا وإنسانيا بدون عقد نقص ولا خوف من الاستلاب، كما حصل في اليابان مثلا، لكن أنى يحصل ذلك في الوطن العربي في ظل الواقع التعليمي العربي الحالي.
عامل آخر زاد من خطورة الإعاقة، تخلي النخبة (العلماء والمثقفين والمفكرين..) عن مسؤولياتهم اتجاه الرأي العام في الوطن العربي في التنوير ومقاومة تزييف الوعي ومحاربة عملية المسخ الحضاري و التنميط الثقافي التي تتم بمسميات جميلة وشعارات براقة وطرق مختلفة من طرف أبناء جلدتنا وببعض فضائياتنا، تروم سلخ المجتمعات العربية ثقافيا وتحديدا فئة الشباب عن محيطها العربي والإسلامي، ونجح هذا المخطط بدخول وسائل إعلامية (صحف ومجالات) والدعوة مثلا لاستعمال اللهجات المحلية بدلا من اللغة العربية، بدعوى أنها لم تعد قادرة على مواكبة العصر، والدعوة لعلمانية متطرفة تقصي الدين من السلوك الفردي في الحياة العامة وتقصره على أماكن العبادة، بعد الغياب الصارخ للنخبة ومهمتها التوجيهية، تاركة الشباب على وجه الخصوص فريسة للتطرف باتجاهيه الديني واللاديني، ولثقافة سلعية وقنوات فضائية وإعلامية خاصة لاتراعي القيم الأخلاقية الحضارية والإنسانية.
باختصارلم تقم النخبة بدورها وتحولت هي الأخرى إلى عامل من عوامل إعاقة التنمية بمفهومها الشامل في الوطن العربي.