شدد الدكتور سعد الدين العثماني الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية ورئيس مجلسه الوطني على أن تجربة الإسلاميين في تركيا محكومة بسياق تاريخي وسياسي وواقع مختلف عما هي عليه الحال في كثير من بلدان العالم العربي.
ودعا الطبيب النفسي الحركات الإسلامية في حوار مع «العرب» على هامش مشاركته في ندوة «الإسلام السياسي» التي نظمها مركز الجزيرة للدراسات يومي 23 و24 من الشهر الماضي بالدوحة، الحركات الإسلامية لأن تبدع تجربتها الخاصة تبعا لوضعها.
واعتبر العثماني النائب في البرلمان المغربي، أن الحركة الإسلامية تواجه تحديين كبيرين في المستقبل؛ إنجاح الانتقال الديمقراطي وإنجاز الإصلاحات السياسية، وتطوير فكرها الديني والسياسي لتواكب تطور مجتمعاتها والإسهام في بناء أوطانها وتقدمها، وفيما يلي نص الحوار:
¶ بعض المحللين يتحدثون عن انحصار في تجربة الحركات الإسلامية المشاركة في العملية السياسية، ما تعليقك؟
● الصحيح أن يقال إن هناك تراجعا في العملية الديمقراطية، وبالتالي هناك نقص في النتائج التي يحصدها الإسلاميون وهذا طبيعي، لأن الانتخابات أضحت تعكس بصورة أقل الوجود الشعبي للحركة الإسلامية، فقد يكون عندنا طرف سياسي ذو وجود ضعيف بين المواطنين، لكن الانتخابات بالطريقة التي تنظم بها تعطيه المراتب المتقدمة، لأنه إذا لم تكن الانتخابات حرة ونزيهة فإنها تصبح عملية عبثية صورية، هذا هو التشخيص العام.
ومن الممكن أن تتراجع الحركات الإسلامية المشاركة سياسيا في فترات معينة أو بيئات معينة، فهي ككل الحركات الاجتماعية والسياسية، تخضع لقوانين موضوعية في شعبيتها وفي قوتها أو ضعفها.
¶ سؤال العلاقة بين الدين والسياسة أجبت عليه بتأكيدك على التمييز بين الأمرين لا الفصل، هل ميزت الحركة الإسلامية عمليا في مسلكها وخطابها بين ما هو ديني وما هو سياسي؟
● هذه المسألة من المداخل التي طرحها بعض المفكرين لحل إشكالية شغلت العقل المسلم الحديث؛ علاقة الدين والسياسة، وبطبيعة الحال فإنه اجتهاد من زاوية معينة، لكنه في تطبيقاته مرتبط بالواقع وسياقاته.
شخصيا أرى أن العلاقة بين الدين والسياسة ليست علاقة فصل، لأن الدين حاضر في السياسة بشكل من الأشكال في جميع الثقافات والحضارات والمجتمعات، بما فيها المجتمعات الغربية اليوم، ولكنها في الوقت نفسه ليست علاقة وصل تام، لأن الفعل السياسي هو دنيوي في الإسلام بامتياز، فهو بشري اجتهادي تقديري، رغم كونه من حيث العموم يخضع لمبادئ الدين وأحكامه.
وبالنسبة لنا في المغرب تجسد أكبر تطبيق للفكرة في التمييز بين العمل الدعوي والعمل السياسي. فحركة التوحيد والإصلاح هي حركة الدعوة التي نشأنا فيها، لكننا نمارس العمل السياسي في هيئة مختلفة هي حزب العدالة والتنمية، ذات استقلالية تامة عن الحركة، ولكل واحدة من الهيئتين مسؤولوها وبرامجها ومؤسساتها المستقلة عن المؤسسات الأخرى.
وأظن أن قدرا معينا من ذلك التمييز تمارسه مختلف الحركات الإسلامية بشكل من الأشكال.
¶ برأيك لماذا تراجعت الإدارة الأميركية عن فكرة الحوار مع الحركات الإسلامية المعتدلة؟
● الذي تراجع في الخطاب الأميركي هو الاهتمام بالديمقراطية، فبعد انتخابات 2006 في فلسطين التي فازت فيها حماس بأغلبية أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، أضحت الأولوية في الخطاب الغربي هي للسلام مع إسرائيل ومحاربة الإرهاب وغيرها وليس للديمقراطية، وهذا شجع انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات الانتخابية في أكثر من بيئة.
أما الحوار فهو كلام، قد يصحح بعض الأفكار الخاطئة، ويزيل الغموض, وقد يتيح تفهم بعض الأمور، ولا تأثير لهذا الحوار ولا دلالة له بالنسبة للواقع المعقد واتخاذ القرار فيه.
¶ بعد ظهور فاعل سياسي جديد في المشهد السياسي المغربي, حزب الأصالة والمعاصرة، بدأت بعض وسائل الإعلام والتحليلات تتحدث باستنادها لما جرى في الانتخابات الجماعية, عن وجود توجه للتضييق على حزب العدالة والتنمية، وربما إعادة النظر في تجربة إدماج الإسلاميين واستيعابهم في العملية السياسية, ما رأيك في هذا التكهن؟
● باختصار شديد هذا غير وارد، فتجربة الانتقال الديمقراطي في المغرب مستقرة، قد تكتنفها بعض الإشكالات، وقد تظهر في فترات معينة بعض التراجعات، لكن إعادة النظر في مشاركة فصيل من الإسلاميين في العمل المؤسساتي بهذا الشكل هي أمر مستبعد جدا.
¶ ألم يرتبك حزب العدالة والتنمية في تدبير مسألة التحالفات عقب الانتخابات الأخيرة, وانخرط في معارك كلامية وحرب تصريحات جرَّت عليه المشاكل أكثر مما حلتها؟
● معركة الانتخابات لها خصوصيتها, يكون فيها التنافس أحيانا شرسا، لكن بعد انتهائها يمضي الجميع للعمل على مستويات البناء.
أما معركة التحالفات فهي ضرورية لأنها جزء من المعركة الانتخابية، والحزب يقوم بتقييمها لتطوير سلوكه وخطابه السياسيين في المستقبل، وهذا لا يمنع من الاعتراف بأن عملنا بشري، وكل عمل بشري تعتريه الأخطاء، ويجب أن نكون قادرين على معرفتها والاعتراف بها وتجاوزها في المستقبل, وهذا ما يفعله حزب العدالة والتنمية باستمرار، وأرجو أن يوفق فيه أيضا في المستقبل إن شاء الله.
¶ المتابع للإعلام ولتصريحات عدد من المسؤولين الحزبيين والسياسيين بالمغرب، يجد أن هناك استعدادا مبكرا للانتخابات التشريعية المقبلة في 2012 وسعيا نحو صياغة تحالفات مبكرة، والمؤشرات الأولية تنبئ بأن حزب العدالة والتنمية ربما يعاني من عزلة سياسية وحصار في المرحلة المقبلة، كيف تتعاملون مع هذا السيناريو؟
● يصعب الآن التنبؤ بما ستكون عليه انتخابات 2012، والمهم والمطلوب اليوم وباستعجال هو فتح النقاش حول الإعداد للانتخابات التشريعية على المستويات السياسية والقانونية والتنظيمية، لضمان المزيد من الشفافية والنزاهة، ولمعالجة الاختلالات التي ظهرت في الانتخابات السابقة.
صحيح أن بعض الأطراف السياسية تحاول عزلنا، لكن المشهد السياسي المغربي يتأبى على الاستقطاب الحاد، فالأطراف السياسية فيه كثيرة ومتنوعة، وإن نقضت التحالفات الحالية فستعقد تحالفات أخرى.
وحزب العدالة والتنمية وأطراف سياسية أخرى عديدة تطمح إلى تعميق الديمقراطية الوطنية، وليس أمامها إلا مقاومة التراجعات في مجال الديمقراطية والإصلاحات السياسية والحريات وحقوق الإنسان، ومن الضروري أن تتكاتف الجهود لتحقيق ذلك.
¶ طرح بعض المتدخلين في ندوة « الإسلام السياسي » تجربة العدالة والتنمية التركية على مستوى التدبير السياسي والقبول ببعض التنازلات والتعايش مع العلمانية كنموذج يجب أن يكون قدوة للحركات الإسلامية في العالم العربي، هل تشاطرونهم الرأي؟
● كل تجربة هي بنت واقعها وسياقها، وبالتالي يمكن دراستها والاستفادة منها، أما اتخاذها قدوة أو نسخها فهذا غير مطروح، لاختلاف الظروف والسياقات. وبالتالي فإن العدالة والتنمية التركي هو ابن الواقع التركي من حيث السياق التاريخي والنظام السياسي والواقع الاجتماعي وغيرها، والمطلوب من كل حركة إسلامية أن تبدع تجربتها الخاصة تبعا لواقعها.
¶ يعتقد بعض الباحثين وتحديدا في المشرق أن حزب العدالة والتنمية, وقبله حركة الإصلاح والتوحيد محسوبة على التيار الإخواني، ولا يعتبرونها تجربة مغربية لها خصوصيتها، ما حدود الاتصال والانفصال بين هذه التجربة والتيار المذكور؟
● بطبيعة الحال استفاد أبناء حركة التوحيد والإصلاح من أدبيات الإخوان المسلمين، لكن استفادوا من الإنتاج العلمي والفكري للعديد من العلماء والمفكرين والمدارس الإصلاحية الأخرى.
أما على المستوى التنظيمي فلم تكن لنا علاقة وصلة بالإخوان المسلمين، ولقاءاتنا ببعض قادتهم كانت تتم على هامش زياراتهم لبلادنا، وكنا نستقبل التيارات الأخرى غير الإخوان أكثر منهم بحكم أن المغرب كان مفتوحا للجميع.
هناك أمر آخر مهم, أريد أن أؤكد عليه في هذا السياق، هو أن المغرب مليء بالجمعيات والعلماء والدعاة وجميعهم كانت لها تأثيرات وبصمات على أفكار حركة التوحيد والإصلاح وتوجهاتها، خصوصا أن العديد من قيادات الحركة من أسر علمية تلقت تربيتها وتعليمها الديني أولا داخلها, أو من خلال الجو العلمي الذي وفرته.
¶ ما التحديات التي تنتظر الحركات الإسلامية المنخرطة في العملية السياسية في المستقبل؟
● أعتقد أن أكبر تحد يواجهها هو تحدي إنجاح الانتقال الديمقراطي وإنجاز الإصلاحات السياسية. صحيح أنه في المغرب مثلا هناك قدر معقول من الإصلاحات السياسية تمت على مدى العقود الأخيرة، وبعضها يشكل نموذجا مهما، لكننا بحاجة إلى المزيد من الإصلاحات وإلى تحصينها ضد التراجعات والانتكاسات، فهو عمل مستمر لا يتوقف.
ومن التحديات المهمة أيضا أمام الحركات الإسلامية، مهمة التجديد الديني والفكري، فكم المعلومات والمعارف يتطور بسرعة، ويجب أن يواكبها تطور في الفكر الإسلامي نستفيد منها ونسهم من خلالها في بناء مجتمع المعرفة في بلداننا، وهو الشرط الأساس لأي نهضة أو تقدم.