|
|
||||
|
عرض/ محمد عيادي سعى مؤلف كتاب « الانتخابات.. أحكام وضوابط » الدكتور أكرم كساب إلى إضافة جديدة في باب فقه السياسة الشرعية، مستعينا في ذلك بعلم المقاصد وكبار من ألفوا فيه من الأوائل المراجع كالسياسة الشرعية في حكم الراعي والرعية للإمام ابن تيمية، والأحكام السلطانية للماوردي وغيرها. لكن علم الفقه السياسي لم يأخذ حظه كاملا من الدراسة الدقيقة الجامعة المستوعبة كما أخذت الأنواع الأخرى، وهذا الكتاب -كما يقول الشيخ يوسف القرضاوي- حاول أن يوجد للانتخابات حكما شرعيا، وناقش أمهات المسائل في مباحثه الثمانية مستعينا بآيات القرآن وأحاديث الرسول، وأقوال المفسرين، وشروح المحدثين، وفقه المتفقهين، وتأويلات المؤولين، وكثيرا ما وُفّق إلى الرأي الراجح الوسط، الذي تنشرح به الصدور وتطمئن له القلوب. الكتاب الذي يتكون من ثمانية فصول، تطرق في أولها لتعريف الانتخابات وأنواعها، واعتبرها آلية تساهم في صنع القرار يقوم الشعب من خلالها باختيار من يمثله في المجالس النيابية مثلا، مشترطا ألا تصاحبها مخالفة شرعية فتحيلها عملا محرما لا لذاته وإنما لغيره. الانتخابات بين المؤيدين والمعارضين
ووجه المؤلِف سؤالا للمانعين للانتخابات: إذا رفضتم هذه الآلية فهل عندكم آلية أخرى تضمن للناس اختيار الأفضل والأكفأ والأحسن والأجدر؟ لكنه أجاب بلا تردد: لا، لأن الانتخابات تمكن الشعوب من حقها في اختيارها لنوابها وحكامها. وربط حكم مقاطعة الانتخابات بكل حالة بعينها، وكل دولة وظروفها، فرأى أنه لا مانع من مقاطعتها إذا اعتبرت المشاركة فرض كفاية بالنسبة لفصيل من الفصائل الإسلامية لأن هناك من يسد الفراغ، ورأى أنه لا حرج في مقاطعتها إذا اعتبرها تيار معين أنها غير ذات جدوى بناء على دراسة ميدانية، وهناك حالة يأثم فيها المقاطع، موضحا أن أمر الانتخابات من السياسة الشرعية التي تعتبر في الغالب الأعظم اجتهادات تدور بين الصواب والخطأ، وليس بين الحلال والحرام التي تقوم على أدلة شرعية قطعية الدلالة. أما مقاطعة الانتخابات في حالة المنافسة الشرسة بين التيار الإسلامي وغيره من التيارات وخاصة المعادية للفكر الإسلامي التي تحاول إقصاء الإسلام من حياة الناس، فلا يجوز في هذه الحالة للإسلاميين مقاطعة العملية الانتخابية لأنه سيترتب عليها إلحاق ضرر بالبلاد والعباد، حسب صاحب الكتاب، مبينا أن المقاطعة نوع من السلبية منهيٌ عنها لأن المسلم بطبيعته شخصية إيجابية يجب أن تكون فاعلة في المجتمع. وفي إجابته عن سؤال: هل الانتخابات شهادة أم وكالة؟ قال المؤلف إن من الفقهاء من اعتبر الانتخابات وكالة بين الناخب والمرشح أو صورة من صور الوكالة والنيابة، ومنهم من اعتبرها شهادة إذ يدعى الناس يوم الانتخابات لتقديم شهادة بشأن من يصلح ولمن لا يصلح، مشيرا إلى أن الشيخ يوسف القرضاوي على هذا الرأي، غير أن المؤلف اختار الجمع بين الأمرين واعتبرها وكالة وإنابة وشهادة وتزكية.
انتخاب الفلول جريمة شرعية وبنفس المنهجية عرض لرأي المانعين والمجيزين لمشاركة غير المسلمين في العلمية الانتخابية، ورجح رأي المجيزين واضعا ستة ضوابط للمشاركة، منها أن تكون في إطار حجمهم الطبيعي وأن لا يترتب على ذلك مفسدة للبلاد والعباد، وأن تُستبعد آراؤهم فيما يتعلق بالشريعة. وطرح المؤلِف في الفصل الرابع، الذي تحدث فيه عن ضوابط الناخب وآدابه، سؤالا شغل المصرين وهم يستعدون للانتخابات الرئاسية، يتعلق بانتخاب الفلول ومن في حكمهم، واعتبر انتخابهم انتكاسة سياسية وجريمة شرعية، داعيا إلى عدم اتهام أي إنسان أو عضو في « الحزب الوطني » بأنه من الفلول بدون دليل يثبت تواطؤه مع النظام البائد وانتفاعه بخدماته. ونفى المؤلف صفة الفلول عمن توفرت فيه شروط ستة منها أن يكون معروفا بالصلاح بين أفراد المجتمع، ولم يكن له دور في تشجيع الحزب وفساده، متحدثا في الوقت نفسه عن خصائص الفلول الاثنتي عشرة، أولاها الخوف من الله وآخرها الحرص على إقصاء الآخر مهما كان خادما لمصالح بلاده وإشاعة الفوضى في البلاد للعمل على عودة المفسدين لمواقعهم. الغاية لا تبرر الوسيلة ومن أهم الضوابط التسعة، تجنب التشهير بالخصوم وتتبع العورات، وتجنب التزوير، واعتبار شراء الأصوات كبيرة وجريمة يحاسب عليه الشرع والقانون، موردا نموذجا للدعاية الانتخابية بين المهاجرين والأنصار اعتبره رائعا حين توفي النبي وتجمع الناس في سقيفة بني ساعدة وكل يريد إظهار مآثره وإثبات أحقيته من خلال متحدث رسمي. وأجاز المؤلِف تمويل الدعاية الانتخابية من الزكوات والصدقات على اعتبار أنها صورة من صور الجهاد وعمل يندرج تحت العمل في سبيل الله، مستشهدا بفتوى للشيخ يوسف القرضاوي خاصة إذا كان المرشح كفؤًا ويعول عليه ليكون ممن يدعم شرع الله ويسعى لإقرار القوانين الموافقة للشريعة أو عدم المتعارضة معها، على أن تكون للتمويل قيود، أولها أن يكون المرشح مشهودا له بالصلاح ومن أصحاب التوجه الإسلامي والحريص على تطبيق شرع الله، وأن يكون الإنفاق بالقدر المعقول، وألا يكون التنافس بين اثنين من التوجه الإسلامي إلا إذا قدم الأكفاء والأجدر. كما لم ير مانعا من الإنفاق على الانتخابات من الأموال الربوية، رغم أن الفوائد الربوية مما أجمع العلماء على حرمته، لكن حرمتها على صاحبها. ويؤكد المؤلِف أنه يجوز إنفاقها في أبواب الخير والبر وأعمال البر لدعم مرشح يتبنى العمل بشريعة الإسلام ويدافع عن مقدسات الأمة وحرماتها بخلاف الدعاية من الأموال المشبوهة والمجهولة المصدر التي لا يجوز لدعاة التيار الإسلامي أن يقبلوها أو يتعاملوا مع أصحابها. ونفس الحكم ينطبق على دعم المؤسسات الأجنبية المشبوهة التي دعا المؤلف للبعد عنها لأنها لا تريد إلا مصلحتها ولا يجب الانخداع بشعاراتها البراقة. التحالفات بين المشروع والممنوع
أما التحالف مع غير الإسلاميين فهو ثلاثة أنواع: والثاني، التحالف مع المعادين للإسلام المظهرين عدواتهم، وهذا ممنوع إلا ما كان منه على وجه الاضطرار ومن باب دفع المفسدة الأكبر بارتكاب المفسدة الأقل كالتحالف مع العلمانية المطالبة بفصل الدين عن الدولة من أجل إزالة حكم غاشم وسلطان جائر، على أن لا يكون هذا التحالف على حساب فصيل إسلامي آخر يتم إقصاؤه.
والثالث، التحالف مع غير المسلمين وهو غير ممنوع ما تحققت منه مصلحة ودفعت به مفسدة وعلم صدق المتحالف معه وما دام لمصلحة الأمة والإسلام ولا يتنازل الطرف الإسلامي عن ما يعاقب عليه شرعا. التنافس بين الإسلاميين يخدم العلمانيين أما إذا كان التنافس يشمل غير الإسلاميين ممن يعارض الفكرة الإسلامية ويدعو لفصل الدين عن الدولة، فإن الموقف يفرض عليهم الوحدة ودفع الأجدر حتى لا تتفرق الأصوات فيصعد خصمهم جميعا فتكون « حماقة سياسية وكارثة دعوية وجريمة بحق الأمة ومعصية تستحق التوبة »، مقترحا وبناء على ما سبق بدا كتاب « الانتخابات.. أحكام وضوابط » وكأنه موجه فقط للتيار الإسلامي لإرشاده وتوجيهه وتزويد أبنائه بخلاصة حول قضايا فقهية تتعلق بالشأن الانتخابي بمجمل إشكالاته وقضاياه بشكل يحتاج لإضافة هذا المعطى في العنوان ليكون أكثر تعبيرا عن مضمون الكتاب. وخصص المؤلِف -الذي كان مهموما أكثر بالحالة المصرية وحضرت بقوة في كتابه- الفصل الثامن والأخير لانتخابات الرئاسة وانتخابات المحليات (البلديات)، موضحا أنه يسري عليها ما تمت الإشارة إليه في الفصول السابقة، لكنه أحب التأكيد فيه على أن اختيار الرئيس حق من حقوق الأمة ولا يجوز أن تمنع منه وأن الإسلام لم يعتمد طريقة معينة لاختيار رئيس الدولة يلزم بها الأمة حتى يحرم عليها أن تمارس غيرها، وإنما هي اجتهادات لتحقيق وجود الحاكم الذي يحفظ للأمة دينها ودنياها، مشددا على أنه لا تعتبر أي دولة من الدول الإسلامية دولة الإسلام بل هي جزء من دول الإسلام –التي يزيد عددها عن الخمسين- وأن التطورات العلمية المعاصرة تساعد على وجود وحدة وتذيب الفوارق وتقرب المسافات http://www.aljazeera.net/books/pages/aa16e79e-86cf-43b5-bb28-ccfd997df5b8 |
