social-media-web
يتحمل الإعلاميون في هذه المرحلة التاريخية التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية، خاصة فيما يعرف بدول الربيع العربي، مسؤولية كبيرة وثقيلة جداً، فقد يكونون إعلامَ بناء وتقويم ونجاح، وقد يكونون وقوداً للفتنة ومصنع لليأس والإحباط وبالتالي وقوداً لثورات مضادة لإرادة الشعوب.
وكشفت التطورات في عدد من دول الربيع العربي أن الصوت الإعلامي الزارع لليأس والإحباط من التغيير هو المهيمن مع كامل الأسف، والحالة المصرية نموذج صارخ، يجعل المتابع يشك هل عرفت البلاد ثورة كبيرة لأسابيع وسقطت أرواح فرضت على مبارك التنحي و.. أم أنه مجرد حلم راود المصريين وانتهى سريعاً.
عشرات القنوات الخاصة وعشرات الصحف بل وحتى بعض وسائل الإعلام التابعة للدولة تعارض الرئيس والحكومة الجديدة بحجة أن جماعة الإخوان يشكلون عمودها الفقري.
قنوات وصحف لها أجندات خاصة لمموليها موجهيها أعلنت حرباً شرسة على الحكام الجدد بقلب الحقائق وتضخيم بعض الأحداث الصغيرة وتوظيف أخطاء التيار الديني، وزرع الفرقة والنفخ في نار الفتنة وتوظيف كل ما من شأنه أن يعيق هؤلاء الحكام بغض النظر عن صوابية نهجهم أو عدمه -وهذا ليس موضوعنا- لأن الهدف واضح ومحدد إسقاط حكام مصر الجدد وإرضاء الشهوة الأيديولوجية لهذا النوع من الإعلام والإعلاميين.
هذه القنوات والصحف آخر همها الأخلاق والقواعد المهنية، لأن محركها سياسي طائفي ولا علاقة له بمصلحة البلاد والمواطنين ولا الاستقرار، مستعدة أن تقامر بكل شيء من أجل تحقيق أهداف أصحابها ومموليها، غير معتبرة بمآلات الأمور وأنها قد تكون وقود فتنة قد تأتي على الجميع لا قدر الله.
ومما زاد الطين بلة، أن الحكام الجدد لمصر لا يملكون إعلاماً قوياً ولا مهنياً وكل ما هناك قناة وصحيفة يتيمتان عبارة عن منشورات مكتوبة وشفوية لا تؤثر إلا في دائرة قليلة محدودة من الناس، وهذا حال الإعلام عند عموم الإسلاميين في العالم العربي، مجرد مناشير ومنابر للدعاية الحزبية الضيقة بينها وبين المهنية الخير والإحسان.
والسبب في هذا أنهم اعتقدوا أن قدرتهم على التعبئة والحشد الجماهيري وتغلغهم في المجتمع كاف، ولا حاجة لتطوير مؤسسات إعلامية كبيرة بشكل مؤسس ومهني احترافي، وبالعكس توهموا أنهم هم مادة الإعلام وبضاعته الرائجة، وتناسوا انهم قد يكونوا يوماً هدفاً له وليس مادة، واستخفوا بالسحر والقدرة التي يمتلكها الإعلام خاصة المرئي والمسموع على صناعة الرأي العام وتشكيله والتحكم في الأهواء والأذواق، وما كان يخطر ببالهم أنهم سيؤتون من هذا الباب لأنه ببساطة لم يكونوا مستعدين للممارسة الحكم وتدبير الشأن العام.
صحيح أن الشعوب العربية لها من الفطنة والذكاء والذاكرة القوية للتمييز بين المصلحين والمناضلين وبين الدجالين والمفسدين، وبين من كانوا مناضلين مدافعين عن الشعب وحقوقه، وبين من كانوا مطبلين ومستفيدين من نظام مبارك وتحولوا بين عشية وضحاها إلى ثوار ومناضلين، لكن كثرة الطرق على الرأس، وتكرار الأخبار والصور وكثير من أساليب التلبيس والتدليس الإعلامي قد تنطلي على فئات اجتماعية واسعة وتدخلها في منطقة الشك واليأس إن لم تنقلها للجبهة المضادة.
بالمنطق الديني فالباطل مهما طغى وتجبر والخطأ مهما زُين وجُمل وكبر تأتي لحظات فارقة وتسقطه لقول الله تعالى {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}، لكن هذا لا يعفي الإسلاميين في الملعب السياسي من مسؤوليتهم في هذه الثغرة الإعلامية وضرورة سدها بشكل عصري مؤسسي احترافي، أما الشكوى فقط من هذا الوضع فلن تنفع ولن تغير شيئاً.

Laisser un commentaire

En savoir plus sur في السياق

Abonnez-vous pour poursuivre la lecture et avoir accès à l’ensemble des archives.

Poursuivre la lecture