هل تراجع الحماس للربيع العربي بسبب ما يجري بسوريا وتلكؤ المجتمع الدولي عن تحمل مسؤوليته تجاه مأساة وجرائم حرب في حق شعب ذنبه الوحيد أنه أراد التحرر من ديكتاتورية الحزب الوحيد؟ هل باتت لغة التشاؤم من هذا الربيع أقوى من لغة التفاؤل بتحول ديمقراطي؟ هل تحول الربيع العربي إلى خريف أو شتاء؟ لماذا لم يتدخل المجتمع الدولي بشكل معقول لإنقاذ الشعب السوري والحيلولة دون تحويل معركته من معركة تحرير إرادته إلى حرب طائفية (سني/ شيعي) وحرب مصالح دولية (أميركا وأوروبا/ الصين وروسيا)؟ هل فعلا يراد لسوريا أن تكون محطة توقف قطار الربيع العربي الذي يهدد محضونة الغرب المدللة إسرائيل؟ هل تراجعت قناعة الشعوب العربية بأهمية التحول الديمقراطي بعدما لم توفر لها الثورات سواء في تونس أو مصر أو ليبيا شغلا ولم تحارب فسادا ولم تجلب استقرارا، بل خلقت فوضى وصداعا وصراعا على السلطة وتلهفا عليها؟
هذه الأسئلة تتداول كثيرا سواء عند الباحثين والمحللين، أو الناس «العاديين»،
غير أنه يجب وضعها في سياقها الطبيعي وعدم تضخيمها واستحضار طبيعة الثقافة السائدة في العالم العربي بشكل عام، والقائمة على استعجال جني ثمار الثورة والإصلاح والتغيير.
بالرجوع لكل الثورات التي حصلت في العالم نجد أنه حصل مثل هذا وأكثر، وأنه لا بد من مرحلة انتقالية ومخاض صعب لولادة ديمقراطية سليمة ونظام سياسي لا يكرر أخطاء الماضي، ولا بد من نقاش اجتماعي واسع لصياغة دستور يحصن الديمقراطية ويوحد المجتمع على المشترك، وكل هذا يحتاج لوقت ولصبر ونفس طويل، لأنه عمل تأسيسي للمستقبل، ولأن ماخُرب وهدم لعقود لا يمكن إصلاحه في شهور وسنة وسنتين، ففي البرازيل استغرقت صياغة دستور ما بعد الديكتاتورية أكثر من ثلاث سنوات، واستغرقت عملية إخضاع المؤسسة العسكرية للإدارة المدنية للدولة بعدما كانت المتحكمة في كل شيء عشر سنوات، وقريب من هذا حصل في أوروبا الشرقية والوسطى في التسعينيات.
غير أنه لا بد من الإشارة إلى أخطاء ارتكبت في عدد من الدول الربيع العربي جعلت العملية الانتقالية عسيرة ومتوترة، وتتجسد أساسا في أمرين رئيسيين، الأول أن أغلب القوى السياسية بما فيها الإسلامية، لم تتعامل بمنطق المرحلة الانتقالية، وغلبت منطق «الأنا»، وغاب منطق «نحن»، ولم يتم التركيز على المشترك وتهييء شروط الانتقال للمرحلة العادية والطبيعية، ويتمثل ذلك بالأساس في دستور متوافق حوله مصادق عليه من الشعب، والحفاظ على هيبة الدولة ومؤسساتها بضبط الأمن ومحاربة الفوضى، ودوران عجلة الاقتصاد للحفاظ على الأمن والاستقرار الاجتماعيين.
والأمر الثاني: غياب ثقافة الديمقراطية في المجتمع عند الحكام والمعارضين، وفشل القوى السياسية في استيعاب بعضها بسبب التلهف على السلطة أو عدم الخبرة، الأمر الذي فسره كثيرون بعدم قيام ثورة أساسية هي الثورة الثقافية لتغيير المفاهيم وتصحيحها وحسن التعامل مع عدد من الآليات بشكل مفيد وبناء، كآلية الديمقراطية وإدارة الخلاف بشكل يقوي المجتمع ولا يضعفه.
