ليس هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها قطاع غزة للعدوان الصهيوني، بل هي ثالث مرة التي يخوض فيها الكيان الصهيوني حملة وعملية عسكرية عدوانية ضد القطاع، الأولى كانت باسم « الرصاص المصبوب » انطلقت في نوفمبر ، وفي كل المرات يستعمل الكيان المذكور كامل قوته وعدوانيته وهمجيته ضد الشيوخ والأطفال والنساء والبنيات
نيا التحتية والمستشفيات والمساجد.
لكن العدوان الأخير تحت عنوان « الجرف الصامد » الذي بدأ يوم 8 يوليو الجاري بالتزامن مع شهر رمضان الكريم في استفزاز لمشاعر أكثر من مليار ونصف مسلم يختلف عما سبقه في أنه:
ـ كشف بشكل واضح حسب تقارير إعلامية وتحاليل سياسية وبتصريحات لمسؤولين صهاينة، تواطؤ جهات عربية وفلسطينية أيضًا لأجل القضاء على فصيل إسلامي والمقاومة، لصالح فصيل المفاوضات والتنسيق الأمني.
ـ كشف حقيقة الإعلام الغربي بشكل عام، الذي بات من خلال تغطيته للعدوان على غزة عاريًا أكثر من ذي قبل من أية أخلاق مهنية أو موضوعية أو استقلالية يمارس قتلاً من نوع آخر قتل للحقيقة وتشويه لها، بل إن بعض وسائله كذبت وأظهرت صورًا لمبان مدمرة وقتلى على أنها من داخل الكيان الاحتلالي، وليس من قطاع غزة لتقديم الكيان الصهيوني في صورة الضحية، لكنها اضطرت أمام هول الفضيحة إلى الاعتذار.
وللأسف الكبير حتى مؤسسات إعلامية كببيرة كان لها رصيد احترام وتقدير داخل العالم العربي، وكانت تعتبر نموذجًا وقدوة، ظهرت في تغطيتها للعدوان على غزة في حالة يرثى لها من الخروج على مبادئها وقواعدها كما حصل مع قناة « البي بي سي » حيث تظاهر مئات المحتجين قرب مقرها ببريطانيا احتجاجًا على تغطيتها غير المنصفة للعدوان.
كما تعرت أكثر حقيقة فضائيات عربية تبنت غالرؤية الصهيونية، وشنت هجومًا شرسًا على المقاومة الفلسطينية، بل وعلى الفلسطينيين بشكل عام بطريقة غير مسبوقة، ومنها من استعمل لغة عدائية وقحة فجة، ومنها من اختارت اللغة الحربانية في تقاريرها وتحليلاتها.
ـ أظهر فشل الإعلام الغربي في تحريف الحقيقة، بدليل خروج مظاهرات كبيرة في عدد من دول الغرب، تحتج على العدوان الصهيوني على غزة وتتضامن مع الشعب الفلسطيني، بل أكثر من ذلك نظمات في المانيا على سبيل المثال اعتصامًا أمام السفارة الإسرائيلية.
ـ كشف عن تطور كبير في آليات المقاومة الفلسطينية من قبيل استعمالها لطائرة من دون طيار، وقدرتها على استهداف مناطق ومدن بعيدة في الكيان الصهيوني، بشكل فاجأ هذا الأخير، وخلق حالة رعب كبيرة داخله، واضطرت معه الولايات المتحدة الأمريكية بعد تفرجها على ما يجري أكثر من أسبوع تلح على إيقاف فوري لإطلاق النار، والدفع في اتجاه الضغط على المقاومة للقبول بمبادرة تخدم المصالح الصهيونية، وتتجاهل مطالب أهل غزة من قبيل فك الحصار عنها وإيقاف الحملات العدوانية عليه وغير ذلك.
باختصار باتت غزة ومقاومة أهلها وصبرهم على العدوان والحصار لأكثر من ثماني سنوات أسطورة، جعلت الملايين من أحرار العالم يتعاطفون معها ويخرجوا للشوارع للتعبير عن ذلك في دول غربية أيدت قيادتها الجرام الصهيوني بصراحة ووضوح كامل كما حصل في ألمانيا أو الولايات المتحدة.
بعض من المحسوبين على الإعلام العربي أفقدهم عداؤهم للحركة الإسلامية وخلافهم معها الرؤية السليمة للصراع، ويعتقدون أن العدوان على غزة يستهدف كسر هيمنة حركة حماس وفصائل المقاومة داخلها، وبالتالي يعيد غزة لحضن سلطة أبو مازن وجماعته، ولكن الحقيقة التي لا تلتبس على أولي الألباب أن الكيان الصهيوني يعرف أن السلطة المذكورة فقدت شرعيتها وأحرقت أوراقها وأنه يسعى بالأساس لتحقيق مخططه وكسر إرادة الشعب الفلسطيني ومن خلاله الأمة العربية والإسلامية، وبالتالي فمن يتواطأ مع الكيان المذكور لا يتواطأ ضد فصيل فلسطيني فقط، بل ضد شعب وأمة.