في غمرة الردة الديمقراطية بعدد من دول الربيع العربي، توالت مشاريع القوانين في الكيان الإسرائيلي في السنوات الثلاث الأخيرة لطمس الهوية العربية للقدس وفلسطين المحتلة، منها مشروع قانون لمنع الآذان في القدس والضفة الغربية الذي قدمه حزب «إسرائيل بيتنا» بدعوى أن «صوت الاذان مزعج ويشكل خطراً على البيئة»، وقانون أملاك الغائبين على سكان القدس الذي فصل لمصادرة عقارات المقدسيين وتسليمها للمستوطنين، وبالتالي إفراغ القدس من سكانها الأصليين بعد أن تسحب منهم هويتهم.
ولأن الاعتداء على المسجد الأقصى في الأسابيع والشهور الأخيرة، ومسار تهويد القدس لم يلقَ من العالم العربي والإسلامي وأحرار العالم ما يستحقه من قوة الاحتجاج والرفض والضغط لإيقافه، مر الكيان الإسرائيلي للسرعة النهائية -كما يقال- وأقرت حكومته قبل أيام مشروع قانون الدولة القومية اليهودية، أي يهودية الدولة العبرية في ظل صمت غريب.
مشروع القانون الصهيوني المذكور، يتناغم مع مشروع قانون قدمه سيناتور أميركي يدعى ستيف ستوكمان، للجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس يطالب الإدارة الأميركية بالسماح للكيان الإسرائيلي ببسط سيادته على الضفة الغربية وقطاع غزة وترحيل الفلسطينيين إلى الأردن ومنحهم جنسيته، وكمقدمة لذلك يطالب المشروع بوقف التمويل الأميركي للفلسطينيين (السلطة) ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
ربما تصمت الدول العربية والإسلامية وحتى الغربية على المستوى الرسمي، ولا تعلن موقفاً لأن الأمر يتعلق بمجرد شروع قانون سيعرض في الأيام المقبلة على الكنيست (البرلمان) وربما يرفض وربما يتم إقراره، فالأمر يحتاج تريثاً ومالا إلى ذلك من الكلام الدبلوماسي، والاعتبارات السياسية.
لكن أن تصمت النخبة الفكرية والسياسية والمجتمع المدني في العالم العربي والإسلامي، أمر غريب جداً وغير مفهوم، كان المفروض أن تتم توعية الشعوب العربية والإسلامية والعالم عبر وسائل الإعلام والمنتديات وغيرها بمخاطر هذا المشروع الصهيوني العنصري المذكور بغض النظر عن اعتماده في الكنيست من عدمه، لأنه بدأ تنزيل مضامينه من مدة وبالتقسيط.
ولمن لا يعرف حقيقة هذا المشروع، فملخصه باختصار الاستيلاء على كامل القدس، وطرد الفلسطينيين من كل الأراضي المحتلة وطمس أي هوية عربية أو إسلامية، لأن دولة الكيان الإسرائيلي ستصبح خاصة بـ «الشعب اليهودي» أو من أعلن ولاءه الكامل لها وخضوعه لأحكام النص التوراتي -الذي سيصبح مصدر التشريعات والقوانين- وما خفي أعظم.
لست أدري لماذا صمتت النخبة العربية بشكل عام والنخبة العلمانية الليبرالية بشكل خاص عن هذا المشروع العنصري ولم نسمع لها صوتاً ولا ركزاً، لست أدري أين اختفت هذه النخبة وهي التي ملأت الدنيا كتابة وصياحاً و «نضالا» في وسائل الإعلام لأجل فصل الدين عن الدولة، ومخاطر الدولة الدينية في العالم العربي والإسلامي؟
لماذا صمتت ولم تتحدث عن دولة دينية احتلالية موجودة في الواقع وتسعى لشرعنة هذا الواقع لتشرد وتطرد أصحاب الأرض وتمحو تاريخهم، مستغلة فترة تعتبرها تاريخية تمر فيها بلدان المنطقة العربية بحالة تفكك وارتباك واضطراب، ونجاح الثورة المضادة في أكثر من بلد من بلدان الربيع العربي وعودة الاستبداد إلى مواقعه.
لقد قدم جزء كبير من النخبة العربية العلمانية خدماته للاستبداد في أكثر من بلد عربي كمصر وتونس حتى لا يصل التيار الديني –كما يسمونه- للحكم أو يشارك فيه، لكنه يتفرج على قيام دولة دينية عنصرية في قلب العالم العربي والإسلامي، ربما يكون مغلوباً على أمره فقد بات أسيراً لدى من دعمهم وقدم لهم خدماته.

http://www.alarab.qa/story/407327/%D9%86%D8%AE%D8%A8%D8%A9-%D8%B5%D8%A7%D9%85%D8%AA%D8%A9-%D8%A3%D9%88-%D8%A3%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9#author_168

Laisser un commentaire

En savoir plus sur في السياق

Abonnez-vous pour poursuivre la lecture et avoir accès à l’ensemble des archives.

Poursuivre la lecture