شهور وتنتهي الولاية الرئاسية الثانية لباراك أوباما، ويغادر البيت الأبيض دون أن يحقق وعوده للعالم الإسلامي، فالرجل كان مهموما بمصالح الولايات المتحدة الأميركية أولا وأخيرا.
ومن أكبر الوعود التي أطلقها في خطابه بالبرلمان التركي في أبريل 2009 وخطابه بجامعة القاهرة في يوليو من العام نفسه، تحقيق المصالحة بين بلاده والعالم
الإسلامي، وبناء علاقة جديدة أساسها الشراكة والاحترام المتبادل.
وعندما نأتي للعنوان الكبير للمصالحة؛ القضية الفلسطينية وتحقيق سلام حقيقي عادل في الشرق الأوسط، نجد أنها لم تكن أبدا من أولويات إدارة أوباما، باستثناء بعض المواقف من تعنت الحكومة الإسرائيلية وخاصة حكومة نتياهو من موضوع المستوطنات على سبيل المثال، سرعان ماتراجع عنها- بعدما فعل اللوبي اليهودي فعله- وأعلن مزيدا من الدعم العسكري والمالي للاحتلال الإسرائيلي.
و في العراق، الذي اعترف أوباما بتحمل بلاده مسؤولية مزدوجة في مساعدته على بناء مستقبل أفضل وتركه للعراقيين. هاهي ولايته الرئاسية الثانية على مشارف النهاية، ويوشك أن يغادر تاركا إياه متخنا بالجراح غارقا في وحل الطائفية الدامي، وتناسل التنظيمات المسلحة المتشددة ومنها تنظيم داعش، بل يتركه مهددا بالتقسيم والشرذمة.
وعلى عكس حديث أوباما عن دعم بلاده لقيم الحرية والديمقراطية، بدت إدارته مترددة مرتبكة في موقفها من ثورات الربيع العربي، لأن أجهزتها ومراكزها البحثية لم تتوقع أن ينتقل لهيب نار أحرقت جسد بائع متجول في سيدي بوزيد بتونس، إلى نظام زين العابدين بن علي ثم معمر القذافي وحسني مبارك وعلي عبد الله صالح وبشار الأسد.
وبعدما زال التردد، ساندت إدارته انقلابا عسكريا على الديمقراطية، وعزل أول رئيس منتخب في مصر، وصمتت عن مجزرة رابعة ومقتل وإصابة آلاف المصريين في فك اعتصام رابعة والنهضة، واعتقال آلاف المعارضين. وفي سوريا قدمت تلك الإدارة رِجلا وأخرت أخرى في دعم الشعب السوري وثورته على استبداد حكم الحزب الواحد، حتى اختلط الحابل بالنابل، وباختصار أُدخلت الثورة السورية في نفق مظلم بعد تصادم أجندات ومحاور داخلية وخارجية، وبات السوريون بين ثلاث خيارات؛ إما الموت بالبراميل المتفجرة لنظام بشار الأسد ورصاص قواته وتعذيب شبيحته، أو الموت جوعا بفعل سلاح الحصار، أو الفرار خارج البلاد، وبدابة رحلة المجهول.
صحيح لم يعلن أوباما الحرب على بلد من البلدان واحتله، كما فعل سلفه بوش الإبن ضد أفغانستان والعراق، لكن إدارته تواطئت -بقصد أو بغير قصد- مع روسيا بصمتها عن تدخلها العسكري ودعمها القوي لنظام الأسد، وسكتت من قبل على الدور الإيراني في العراق وسوريا، ووقعت مع طهران اتفاقا بشأن ملفها النووي رفع العقوبات عنها، الأمر الذي قد يجعلها أخطر على المنطقة مستقبلا عكس كل الكلام الوردي الذي تروجه واشنطن عن الاتفاق.
هذا ملخص مركز لحصيلة سياسة أوباما اتجاه قضايا كبرى في العالم الإسلامي، وماتبقى من شهور في ولايته الرئاسية الأخيرة لن تغير هذه الحصيلة السلبية، فهي شهور للحملة الانتخابية لمن يتنافسون على خلافته. ربما كان الرجل حسن النية صادقا فيما وعد، لكنه بالتأكيد ليس حرا طليقا في اتخاذ القرارات في نظام سياسي تخضع فيه القرار وخاصة الاستراتيجي منه لاعتبارات وعوامل كثيرة وموازين قوة ليست – مع الأسف- في صالح إقامة سلام حقيقي وعادل بالشرق الأوسط، وبناء شراكة حقيقية مع العالم الإسلامي.